ISET

مركز محمد بن الطلبة للدراسات والبحوث : مجال اهتمامات المركز ومشاغله البحثية يتجاوز الأشخاص والجهات، مركزا على شتى ألوان الثقافة العربية الإنسانية التي أنتجتها هذه البلاد وما جاورها؛ دون أن نغفل الثقافة الإنسانية العربية والعالمية منها عموما
 اتصل بنا من نحن بحوث مرويات النشاطات الرئيسة

بقلم محمد بن عبد الحي:  

مدرس، باحث؛ شبكة جامعة عجمان،
جامعة نواكشوط 

الإيقاع في شعر محمد بن الطلبه أو التجذر في الجذور

 

تهدف هذه المقاربة إلى الكشف عن بعض الأدوات الفنية التي يقوم عليها شعر الشاعر محمد بن الطلبه (1188-1227هـ 1774ـ 1856)، وعن جانب من جماليات الإبداع الشعري في البيئة الأدبية التي عاش فيها الشاعر، وعن قيمة هذه الجماليات الإبداع الشعري في البيئة الأدبية التي عاش فيها الشاعر، وعن قيمة هذه الجماليات في سياق الشعرية العربية، وستجري هذه المقاربة حسب المحطات التالية:

1ـ مفاهيم العنوان.

2- المقاربة التحليلية.

3- المقاربة التقييمية.

4- الاستنتاجات.

 

أولا /في المفهوم: الإيقاع، شعر ابن الطلبه

1-1-        الإيقاع هو اتفاق الأصوات وتوقيعها في الغناء، أي بناء ألحان الغناء على مواقعها وميزانها:"الإيقاع اللحن والغناء، وهو أن يوقع الألحان ويبنيها، سمي الخليل رحمه الله كتابا من كتبه في ذلك المعنى، كتاب الإيقاع"[1]، أن "الإيقاع، من حيث هو إيقاع، هو تقدير ما، لزمان النقرات، فإن اتفق كانت النقرات محدثة للحروف المنتظم منها كلام كان الإيقاع شعريا"[2] فالإيقاع، إذا، مصطلح موسيقى، استخدم مجازا للنظام الصوتي اللغوي، باعتبار توافق بالعناصر الصوتية والزمانية، وضوابط الانتظام قبل أن يرقى إلى مستوى المصطلح... وفي تعريف ابن سينا له ما يدل على أنه قد أصبح حينئذ مصطلحا للنظام الصوتي الشعري: الإيقاع الشعري، كما هو مصطلح للنظام الصوتي الموسيقي: "تقدير ما لزمان النقرات" .. فهو في كلا الفنين" تردد ارتسامات سمعية متجانسة بعد فترات ذات مدى متشابه"[3]،

إنه" حركة داخلية ذات حيوية متنامية تمنح التتابع الحركي وحدة نغمية عميقة عن طريق إضفاء خصائص معينة على عناصر الكتلة الحركية، تختلف تبعا لعوامل معقدة" ولعل هذه" العوامل المعقدة" هي ما جعل الآراء تتضارب حول ما صدقاته، فالبعض يراه يشمل الوزن الذي "هو كل ما يمكن تنميطه من ضرب الإيقاع وما تبين النصوص أنه ينتظم مجموعات كبيرة منها، ويتحكم في جميع الوحدات الكلامية في النص الواحد" [4]، إلى جانب الإيقاع غير المرتبط بالوزن القائم على"المادة الصوتية الموظفة في النصوص الشعرية توظيفا متنوعا من نص إلى آخر، بل من موضع إلى موضع آخر، في صلب النص الواحد أيضا، وهو الذي يلاحظ من خلال تكرار الحروف والمفردات والجناس والطباق، وتوازن الجمل، وتوازيها[5]، غير أن من الباحثين من أقصى الوزن وموسيقى الحشو من الإيقاع، ومحضه للجوانب غير الصائتة من وسائل الانتظام والحركة في القصيدة، أي النسق الداخلي المتحكم في تناسق الكلام، وهناك من لم يخرج الجانب الصوتي تماما، ولكنه يعتبره ثانويا، ويعتبر أن عناصر الإيقاع الأساسية هي المتعلقة بأنساق الحركة والمعنى والفكرة والمضمون، أي  إيقاع الفكرة، ونظام النقط، ومحلات البياض.

ويسمى البعض نظام الأوزان: موسيقى خارجية، باعتبار أنها مقننة خارجة نص بعينه، ويسمى نظام التكرار موسيقى داخلية باعتبار أنها تتحدد داخل النص، وليس لها ضابط يضبطها خارجية،

يعكس البعض الآية، فيسمى الأولى موسيقى داخلة باعتبار أنها شيء يحس به داخل السطور، وليست شيئا يتجسد في حروف أو كلمات، أو صيغ أو تراكيب لها مظهر خارجي.

يوجد الإيقاع ـ إذن ـ في مستويين:

ـ مستوى المسموعات: ويوجد في:

أـ "موسيقى الإطار، وتتجلى في الأوزان والقوافي،

بـ ـ موسيقى الحشو غير المقننة وتقوم على:

1-    خصائص الصوت المعزول عن الإطار الدلالي:

2-    خصائص الأصوات المحصورة في الإطار الدلالي، كالتكرار والجناس،

3-    خصائص الإطار الدلالي الموسع، وضروب التقطيع التي يقوم عليها"[6]

ـ مستوى الملموسات: ويوجد في عنصر الحركة في النص، أي النسق الداخلي المتحكم في تناسق الكلام، من حيث الحركة والمعنى والفكرة والمواءمة بينها وجمع النظائر والأضداد. وما يولده من صراع، واللعب بالكلمات والأفكار تبعا للإظهار والإخفاء.

وهذه الحركة النفسية الداخلية تتجسد في:

1.     الحركة: وهي "وضعية المتقابلين في اجتماعهما في سياق واحد ونظام واحد، من حيث تحركهما في اتجاهات معينة"[7]

2.     التوتر، وهو كل مقابلة احتفظ فيها كل من المتقابلين بمنزلته ضد الآخر، فلم ينزع المتقابلان في تحكهما إلى الالتقاء، والجمع بينهما في سياق واحد يكون لغاية إبراز التوتر في علاقاتهما.

3.     فضاء النص وطريقة كتابته، ويتمثل في:

1-    علامتي الترقيم: (.و،) اللتين تشيران إلى تمفصل سيكولوجي ونحوي في آن معا، ويوجد بينهما تدرج، فالنقطة تسجل نهاية الجملة، أي نهاية مجموع يمكن أن يوجد منفصلا، لأنه يحمل معنى كاملا في نفسه، أما الفاصلة فإنها تفصل بين مجموعتين لا يمكن أي توجدا منفصلتين ولكنها تتمتعان مع ذلك بقدر الاستقلال[8]

2-    محلات البياض: والبياض هو العلامة الطباعية للوقفة أو السكوت، وعليه فهو علامة طبيعية إذ غياب الحروف يرمز بالطبع إلى غياب الصوت.[9]

وبعكس علامتي الترقيم وعلامتي التنغيم علامتا الاستفهام والتعجب (؟ !)اللتين هما حديثتا العهد، فإن محلات البياض ملازمة للشعر قديما وحديثا، فالوقفتان العروضيتان اللتان هما دلالة على توقف عن النطق، إنما يعبر عنهما البياض الذي يقسم البيت وينهيه، والبيت نفسه محدد بالفراغ قبله وبعده، وفي منتصفه، والموشح يحدد تنظيم البياض الفاصل بين أجزائه، وفي الحديث يحد الفراغ بين المقاطع تقاسيم النص.[10]

ولئن تضاربت الآراء حول ماصدقاته  فإن الجميع متفق على ان من أركان الشعر، وقد سبق أن بينا في موضوع آخر[11]، إن المنظرين العرب يتفقون دون استثناء، على أن الوزن سمة قارة من سمات الشعر. ولئن لم يركز ـ حديثنا ـ الرومانسيون والرمزيون على البعد الإيقاعي الصوتي خاصة، فإن المتأثرين بالمدارس اللسانية الحديثة يتفقون على اعتبار العنصر الإيقاعي، الدال الأكبر، والعنصر الأبرز، من مكونات الشعر، فالنص الشعري عند كافة هؤلاء، هو أنظومة من الأوزان تتولد من قاعدة اتحاد وانسجام بين مختلف مستوياته، ويشكل العروض الجانب الأبرز في الشعرية، ويقوم على مبدأ أوزان البحر التي تعمل على تعزيز التشاكلات في المستويات الصائتة (القوافي، تكرار الحروف، الجناس، وغيرها) وفي المستويات النحوية: (التوازي)، وفي المستويات الدلالية : الاستعارة.

ورغم أن اعتبار الحركة عنصر غير مسموع، وأنها عنصر ملموس محل نظر، باعتبار أن الحركة النفسية لا بد أن تتجسد في شكل لغوي بطريقة أو بأخرى، فإننا سنقبل إجرائيا بقسيم الإيقاع إلى صنفين

1  إيقاع سمعي: يضم قسمين هما:

1ـ  موسيقى الإطار: العروض: الوزن، القافية، الوقفتان.

2  - موسيقى الحشو – تكرار صوتي كلي أو جزئي.

3 – موسيقى الحركة النفسية للأفكار: التقابل، تلازما أو تناقضا.

2ـ إيقاع حسي:

1ـ2ـ شعر محمد بن الطلبة هو مدونة من حوالي 91 نصا، تضم 1500 بيت من الشعر العمدي، لشاعر عاش فيما بين (1188هـ/1774م 1272هـ/1856) في بيئة بدوية ساكنتها متنقلة، تجوب منطقة من شمال غرب إفريقيا تمتد شمالا وجنوبا: من الساقية الحمراء إلى نهر السنغال، تحتل الجزء الغربي من الصحراء الكبرى المحاذي لشواطئ المحيط الأطلسي، وغلبا ما لا تبتعد عن هذه الشواطئ في عمق الصحراء، بأكثر من مائة كلم.

عاش الشاعر في هذا الوسط والبدوي العربي القائم في بناه الاجتماعية على القبيلة المستقلة التي لا تخضع لسلطة مركزية والتي تنتحل في معاشها تربية الإبل خاصة، وتعتمد في تربية أبنائها على نظام إسلامي عربي صارم، قائم على تحفيظ المتون الأساسية في المدرسة العربية الإسلامية القديمة قرآنا وشعرا قديما، جاهليا وإسلاميا في الغالب، ومتون فقه مالكي ، أساسها مختصر خليل بن إسحاق المصري المالكي ت (681هـ)، وهي تربية راسخة الجذور خاصة في أسرة الشاعر، يحرص الأب على تلقينها بنفسه لابنه لا باعتبارها واجبا دينيا وقوميا فحسب، وإنما باعتبارها قيمة اجتماعية آكد من أي قيمة أخرى، وذلك ما تعكسه نسبة الشاعر[12]

كان محمد من أبرز الشخصيات التي جسدت هذه التربية، وتحققت فيها أهدافها المعرفية الخلقية، ولكنه تميز عن غيره بولعه بالشعر العربي في العصر الجاهلي وصدر الإسلام، خاصة منه الشعر البدوي الذي يتغنى بحياة الصحراء يقف على الطلول ويصف الظعائن وقطع المفاوز، ويصف الصحراء وأماكنها، بعيدا عن المدح والهجاء والتشيع لمذهب أو نحلة، وله معارضات لقصائد مطولة لشعراء مخضرمين، ولن تجد في تلك القصائد التي عارض أثرا لما يمت بصلة إلى الخوف أو الطمع أو التعصب لمذهب، ولعلك تحس من خلال نصوصه التي يحتويها ديوانه أنه يرغب في أن يخلص لشعره، وأن يخلص شعره له، فلا يريد أن يظهر فقيها ككثير من معاصريه، ولا شاعرا مواليها لهذا أو ذاك، ولا ناطقا باسم قبيلة، أو غير ذلك من المواقف. و  ابن الطلبه أشهر شعراء بلده في عصره دون منازع.

ورغم أن الفترة التي عاش فيها هذا الشاعر تنتمي إلى التاريخ الحديث، بل والمعاصر، بالمفهوم الأوروبي الذي أصبح عالميا، فإن البيئة الاجتماعية والموقع الجغرافي اللذين عاش فيهما، كانا معزولين في عهده عن العصر الحديث، لا تربطهما به  أية صلة، فهما تنتميان جملة وتفصيلا لما قبل القرن الثاني عشر الهجري، التاسع عشر الميلادي في الحضارة العربية الإسلامية.

وقد أتاح له التشابه الكبير بين واقع بيئته الاجتماعية والجغرافية على نحو ما يعيشه يوميا، والبيئة الاجتماعية والجغرافية التي يعكسها شعر شعرائه المفضلين في العصرية الجاهلي والإسلامي، أن يعيش انسجاما كاملا بين واقعه وثقافته، بحيث لا تنافر بين حياتين يفصل بينهما نظريا أكثر من ألف سنة وهذا ما جعله يمعن في تبني لغة شعراء البدو المخضرمين، من أمثال حميد بن ثور الهلالي (30هـ)، والشماخ بن ضرار الغطفاني (ت22هـ) حتى لكأنه معاصر لهم زمانا، ويعيش معهم في بيئتهم وأرضهم، من هنا حرصه الشديد على شوارد اللغة البدوية القديمة التي يحتاج القارئ اليوم لفهمها إلى أن يبقى متأبطا دوما القاموس المحيط أو اللسان.

1       -3- يطرح إذا شعر بن الطلبه

إشكالية الزمان (القرن6\7م أم 12\19م)

وإشكالية المكان: (شبه الجزيرة العربية \الساحل الإفريقي الأطلسي)،

وإشكالية أفق الانتظار: (إلى من يوجه الشاعر خطابه)،

وإشكالية جماليات الرسالة :(الأسس الجمالية لقصيدة ابن الطلبه)،

وجماليات القصيدة تقوم على بعدين بارزين هما البعد الإيقاعي الزماني والبعد التصوري المكاني، وهما بعدان متكاملان وقائمان على آلية واحدة، هي آلية التوازي: تواز على مستوى الدوال أو على مستوى المدلولات، على مستوى المدلولين المباشر وغير المباشر، المدلولين: الكلي والجزئي.

 

ثانيا نص المدونة

  

موضوع البحث المخصص لنا من قبل من يشرف على الندوة، ويقتصر على البعد الإيقاعي، أي جزء من جماليات الرسالة، نقوم بعمل وصفي له، فنستخلص منه قيمة هذا البعد ومنزلته في هذه الجماليات، - ونكشف عن الأدوات الفنية التي يقوم عليها شعر هذا الشاعر.

ثم نحاول أن نقارب من خلال قضية أفق الانتظار وتأثير إشكاليتي الزمان والمكان، فنكشف عن جماليات في سياق الشعرية العربية القديمة.

 ونبدأ عملية الوصف هذه بموسيقى الخارجية: العروض: الوزن ـ القافية ـ الوقفتين. ثم نثني بموسيقى الحشو: كافة أنماط التكرار اللفظي.

ثم نثلث بموسيقى حركة الأفكار: التقابل التضاد التوتر.....

2-1 – في العروض 

يضم ديوان ابن الطلبة 91 نصا شعريا أقلها بيت منفرد وأكثرها 102 مائة وبيتان، 36 منها تقل أبياتها عن السبعة لا تدخل في الحد الأدنى التقليدي للقصيدة، و12 منها لا يزيد عدد أبياتها على العشرة، ويتعدى منها ثمانية الأربعين بيتا[13].

2-1-1- الوزن:

مجموع أبيات النصوص 1500 بيت يتوزعها سبعة بحور من البحور الطوال، غير مجزوءة  ثلاثة منها من البحور الممزوجة: الخفيف البسيط الطويل وأربعة صافية: الكامل المتقارب الوافر الرمل وعدد النصوص في كل منها هي على الترتيب: 29،23،15، ثم 16،04،03،01، والثلاثة الأول تحتوي 1203 أبيات، بينما تحتوي الأربعة الباقية على 297 بيتا، أكثر من ثلثيها من بحر الكامل، مما يعني أن الأبحر الأربعة الأول تضم 83 من 91 نصا و1410 من 1500 بيت، فلا يبقى للثلاثة الأخيرة غير 80 نصوص تضم تسعين بيتا فقط’[14] الوزن إذا وفي لوزن القصيدة العربية التقليدية، ولئن أخذ الخفيف المنزلة الأولى على حساب الطويل الذي ينفرد بالصدارة كلما رجعنا في الزمن إلى الأقدم فالأقدم، فإن الخفيف كان دائما في قائمة الأوائل، إضافة إلى أن قصائد شهيرة في التاريخ الإسلامي الوسيط، كان لها حضور كبير في ثقافة وسط الشاعر، وتصريحه في النص رقم45 بولعه بهذا الوزن خاصة، وربطه له بالغناء، يحيل إلى الصلة الوثيقة لهذا البحر بالموسيقى، وهو أمر معروف في تاريخ الموسيقى العربية في عصر نشأتها وازدهارها، ولكننا لا نجد في شعر ابن الطلبة، ولا في أخباره، ما يدل على أن له علاقة بفن الموسيقى.

  

2-1-2- القافية  

وقد جاء 60 نصا في قافية المتواتر، تضم أكثر من نصف أبيات الديوان 793 بيت بينما جاء 25 نصا في قافية المتدارك، تضم أكثر من ثلث أبيات الديوان 585، بينما جاءت 06 نصوص فقط في قافية المتراكب، تضم أقل من 1\10 من أبيات الديوان 121، ولم ترد قافية المتكاوس أصلا. وهذا اتباع كامل لما هو  مألوف في تقليد القصيدة العربية التقليدية عبر تاريخها، خصوصية الشاعر إذن ليست هنا لأن مقياسه الجمالي الوفاء للنموذج بل لعل خصوصيته هي المبالغة في الوفاء للنموذج الأقدم فيما يتعلق باختيار المفردات التي يتخذها قافية له ، واختيار حرف الروي صوتا مجلجلا، والإكثار من هذا الحرف أحيانا في حشو البيت شأن الجيم في أطول قصيدة في الديوان، وهي التي يعارض بها جيمية للشاعر المخضرم الشماخ بن ضرار الغطفاني، ولعل للغة الصاخبة على نحو ما نسمع في قوله من هذه القصيدة وهي على هذا النمط:

(......أعني على الهم اللجوج المهيج

 

وطيف سرى في غيهبي مدجدج

أزج من الزعر الظنابيب معرس

 

بخرجاء هوجاء البراية عوهج).

 

2-1-3- الوقفتان

 كان احترام الوقفتين العروضيتين صارما، فقد وردت 69حالة الكلمة فيها مشتركة عروضيا بين الصدر و العجز، وهو ظاهرة الدمج قديما والتدوير حديثا، وقلما يخلو منها البحر الخفيف الذي يصل عدد أبياته في الديوان 466 بيتا، وكالعادة كانت الغلبة للوقفة العروضية على حساب الوقفة الدلالية، فقد شطرت الكلمة شطرين في كلها، لتبقى للوقفة القاسمة حرمتها، ولا غرابة بعد ذلك أن تكون وقفة الضرب محترمة بصورة مطلقة، ومن ورائها استقلالية البيت، إلا في حالات نادرة[15]

1-2-        القيمة الفنية:

الوفاء للنموذج العروضي لعمود  إذن، هو المهيمن المطلق على نصوص ابن الطلبة، فلا أثر عنده  من الإبدالات العروضية الأقل، التي صاغتها الشعرية العربية على هامش استنباطات الخليل بن أحمد (ت175): المسمط، الموشح، الرباعية، المخمس...ولا حتى لبعض من البحور التي استنبط الخليل وتلميذه، ولكنها كانت قليلة الاستعمال: الرجز، المنسرح، المديد، المجتث، الهزج، السريع، المضارع، المقتضب، المتدارك، ولا للزوم مالا يلزم، الذي شاع في العصر الوسيط عند المعري (ت449هـ)والحصري (ت488هـ)، فالاحتذاء إذن، لسلف القصيدة الأول، كان القاعدة الذهبية، على المستوى العروضي

2-2- في موسيقى الحشو:

 

الجانب الثاني من الإيقاع السمعي يتمثل في: مستور موسيقى الحشو غير المقننة:

ـ الصوت المعزول على إطار الدلالة،

ـ الصوت الحصور في إطار الدلالة.

ـ خصائص التركيب ومتوازياته.

2-2-1- الصوت المعزول:

ومن أبرز تجليات تكرار الصوت المعزول عن الدلالة ظاهرة (البراغرام)[16]  وهي أثيرة عند الشاعر خاصة في قوافيه، ويكفي أن نأخذ أمثلة من بعض قوافي نصوص متفرقة من نصوصه، ليظهر مدى أثرتها عنده،

ففي النص 17 نجد كلمات القوافي التالية: (هجهج، منجنج، مدجدج، تلجلج، معجعج، عفنجج، تحجحج، مهجهج، رجرج)،

وفي النص 37 نجد (شنطاط، قطاط، حطاط، ملطاط)،

وفي النص 42 نجد: حعجاع، دعداع)،

وفي النص61 نجد (عقنقل، سلسل، مجلجل، كلكل)،

وفي النص68 نجد: (ضلاضله، جلاجله، ذلاذله)،

وفي النص69 نجد: (جمجما، عثمثما، منمنما، يثمثما، همهما، زمزما، جمجما).

وهي ظاهرة متواترة عند الشاعر، لا تقتصر على القوافي، بل توجد في كل موقع وتعكس العناية الكبيرة التي يوليها الشاعر للإيقاع الصوتي في قصيدته.

ومن أمثلتها في حشو البيت في وصف الخيل والفرسان:

عنشعنشات عليها كل مدرع

 

عشنش لم يزل بالسيف منتطقا[17]

وقد يكون تكرار الصوت مهيمنا في أغلب البيت، مثل (اللام، العين، الهمزة) في:

على لؤلؤان اللون سفعاء لاعها

 

تشمم أشلاء بمصرع بحزج[18]

ومثل حرفي (ج،ن)، في ثلاث كلمات من أصل خمس في كلا شطري البيت:

ويحدجن من ما قد نجلن نجائبا

 

نواعج أدما من نجائب نعج[19]

وقد يتركز في موقع واحد من الكلمة تجعله يلفت النظر، فيصبح أسلبة، كما هو شأن الهاء في:

كأني إذا ما شبت المعز نورها

 

على تلك أو هيق هجف هزلج

فالكلمات الثلاث الأخيرة هيمنت على إيقاع البيت لبدئها بالحرف بالحرف نفسه:"هيق، هجف، هزلج"

2-2-2- التجنيس

 ومن أنماط تكرار الحرف المحصور في إطار الدلالة الجناس: الاتفاق في اللفظ والاختلاف في المعنى، جزئيا أو كليا، بين كلمتين أو أكثر، ففي البيتين التاليين نجد:

مراتعها مرعى المها ورباعها

 

تلاعب من أذراعها كل بحزج

أزج من الزعر الظنابيب معرس

 

بخرجاء هوجاء البراية عوهج[20]

فالتجانس ـ بالمعنى الأعم ـ  قائم بين: "مراتع"\" مرعى" وبين "مرعى "\" مها"، وبين: "المها"\"رباعها"، وبين: "مراتعها"\"رباعها"\" أذرعها"، وهو تجانس قازم على تواتر حروف بعينها: (م، ع، ر، ها)، أما في البيت الثاني، فإضافة إلى الجيم في أربع كلمات، هناك التجانس بين:"خرجاء\هوجاء"، وبين "هوجاء \عوهج"، ومنه

ولفت نصي الفيف هيف تسوقه

 

ونشت تناهي غيثها المتبعج

وزفت إلى الأعداء من كل وجهة

 

أعاريبها من كل صرم منجنج

فصيغة الماضي الثلاثي المضعف الملحق بتاء الغائبة: "لفت، نشت، زفت"، ظاهرة تميز الأسلوب إضافة إلى التجنيس: "الفيف\هيف".

ومن أنماط التجنيس الجناس الاشتقاقي المتأتي من صيغتين صرفيتين راجعتين إلى جذر واحد، وهو نوع من الجناس يمت بصلة إلى التكرار: التطابق في اللفظ والمعنى، لأن الجذر واحد، فلا بد أن تكون هناك ظلال من المعنى الأصلي في كلا المشتقين، وأمثلته كثيرة، نكتفي منها بمثال واحد:

فارحل مراحله واعمل كما عملا

 

وانزل منازله أيان ما نزلا[21]

(أرحل\مراحل، اعمل\عمل، انزل\منازل\نزل)، ولن تخطئ العين الأمثلة عليه في أي نص من نصوص الديوان.

 

2-2-3 التكرار:

التكرار هو: تكرار الكلمة بلفظها ومعناها، دون فارق بين الكلمتين دالا ومدلولا وسياقا، أما إذا وجد فارق معنوي عارض في السياق، فهو الترديد[22] والكلمة اسم وفعل وحرف، ولكن كان الاسم والفعل لا يقلان على ثلاثة أحرف، فإن الحرف يتكون من حرف واحد فأكثر، والتكرار أكثر ظواهر موسيقى الحشو اطرادا في شعر ابن الطلبة 31%، حسب إحصاء قمنا به، والنضرب عليه بعض الأمثلة:

وأولها تكرار الدالة الفارعة: الأداة، ومنه ظاهرة أثيرة عند الشاعر ـ ربما أكثر من أثرة ظاهرة البراغرام المتقدمة الذكر لديه ـ وهي تكرار فاء العطف، ونكتفي منها بمثالين فقط: المثال الأول:

وذكر أظعان تربعن باللوى

 

لوى الموج فالخبتين من نعف دوكج

إلى البئر فالحواء فالفج فالصوى

 

صور تشل فالأجواد فالسفح من إج

تحل بإكناف الزفال فتيرس

 

إلى زيز فالأرويتين فالاعوج

إلى أبلقي ونكار فالكرب ترتعي

 

به حيث شاءت من حزوز وحندج[23]

تتكرر فاء عطف الاتصال في الأبيات الأربعاء عشر مرات، تسع منها مع أل التعريف القمرية في سبع منها، والشمسية في اثنتين منها، والمعطوفات كلها أعلام أماكن، سبعة عشر علما، في أربعة أبيات، واثنان من السبعة عشر علما في صيغة جمع، وثلاثة في صيغة تثنية، ودلالة التعاطف بالفاء هي تواصل الأحداث وتسارع السير من موضع إلى موضع.

المثال الثاني:

عفا النيش ممن هو بالأمس آهله

 

مخارمه فسفحه فمجادله

فسهب الكديد فالغشيواء فاللوى

 

لوى الساق بعد الأنيس قفر منازله

فرأس الذريع فالطويلة فالأضا

 

أضاء القوير فالذراع المقابله

فوادي النعام مقفر جلهاته

 

ففرش الخليج سهله فضلاضله

فعهدة فالغلان من ذي محارة

 

فخيشومه قيعانه فمسايله

ففي هذه الخمسة المكونة من جملة رئيسية واحدة، وجملتين متممتين، يتكرر فاء العطف كما مر، خمس عشرة مرة.

وهناك تكرار آخر من هذا النمط، له حضوره عند الشاعر، ولكن بدرجة أقل من سابقه، هو تكرار أداة الاستفهام، كما في:

ألا ليت شعري هل إليهن عودة

 

وهل أنا من عم التنائي بمخرج

وهل لي في أدوائها من معرس

 

وهل لي في أطلائها من معرج؟...[24]

تتكرر هل في الأشطر الأربعة، ويدعمها صوتيا تكرار اللام في الشطر الأول أربع مرات، مرفقه بياء ساكنة في اثنتين منها، وفي الشطر الثاني بتكرار النون ثلاث مرات، مرفقة بالهمزة في اثنتين منها، أما الشطران الثالث والرابع فيتواريان بركيبيا، ويتطابقان دالا ومدلولا في: "وهل لي في...من..."ويتجانسان صرفيا وصوتيا في أودائها\أطلالها"ومعرس\معرج".

أما تكرار الدالة الملأى: الاسم والفعل، فكثير، كما في:

فبات يماني الهم ليلي كأنه

 

ببرح مقام الهم في أضلعي شج

فلو كان يفنى الهم أفنى مطاله

 

همومي ولكن لج في غير ملجج

إذا ما انتحاها منه قطع سمت له

 

أفانين هم مزعج بعد مزعج

أعنى على الهم اللجوج المهيج

 

وطيف سرى في غيهبي مدجدج

فلم أر مثل الهم هما ولا أرى

 

كليلة مسرى الطيف مدلج مدلج[25]

 

 

فكلمة "الهم" تتكرر مرتين في أربعة أربعة أبيات من خمسة، وترد مرة في الخامس، لتأكيد الحضور الشعوري للهم، وهي مدعومة بتكرارات جانبية: "مزعج\مزعج"، وبجناسات اشتقاقية: "يفنى \أفنى، لج\ملجلج، مُدلج\مَدلِح"، وببراغرام:"مدجدج".

وقد تكون عبارة في أول البيت أو في حشوه، كما في (وليس، ورب)في:

وليس تلقاه إلا وهو مبتسم

 

وليس تدعوه إلا غير مرتاح

وليس إن مسه شر بذي جزع

 

وليس إن مسه خير بمفراح

ورب أشوس تياح دلفت له

 

بذات ودقين تعيي كل تياح

ورب بزلاء لا يدعى الوليد لها

 

فرجت من رأيك الماضي بمصباح

ورب تيهاء فزعت الوحوش بها

 

بضمر كقسي النبع أطلاح[26]

والنصوص على هذا المنوال تعد بالعشرات في مدونتنا، فالتكرار إذن، مكين من أركان الإيقاع عند الشاعر، بل لعله أكثر حضورا عنده من أية ظاهرة إيقاعية أخرى.

2-2-4 – التركيب

من الصوت المعزول عن الدلالة إلى الكلمة الدالة بغيرها: الدالة الفارغة، أو بذاتها: الدالة الملأى، إلى التركيب القائم على التوازي، ترصيعا كان أم غيره: تكرار صيغ أو بنى نحوية متماثلة تتشكل موسيقى الحشو في أي نص أدبي، ونسبته عند الشاعر أقل بكثير من نسبة كل من الظاهرتين السابقتين، في لا تتعدى حدود 07% من موسيقى الحشو عنده حسب إحصائنا، ومن الأمثلة عليه:

تطاول ليل النازح المتهيج

 

أما لضياء الصبح من متبلج

ولا لظلام الليل من متزحزح

 

وليس لنجم من ذهاب ولا مجي

فالأشطر الثلاثة الأخيرة تتوازى تركيبيا:

الشطر2: الاستفهام بالألف، فالنفي بما، فلام الملكية الجارة، فمضاف إليه، فمن التبعيضية الجارة، فالمجرور بها اسم مفعول من المزيد.

الشطر4 الواو نائبة عن الاستفهام بالألف، كما في الشطر3، فالنفي بليس بدل لا وما، فلام الملكية الجارة، فمجرورها غير مضاف، فمن التبعيضية الجارة، فالمجرور بها مصدر.

فالتوازي قائم بين الأشطر بصورة واضحة، لكن هذا الائتلاف يتخلله اختلاف طفيف هنا وهناك لكسر رتابة التكرار، وهي جدلية الائتلاف والاختلاف التي تقوم عليها شعرية الإيقاع وجمالية غالبا، ومنه:

فلهديه إما اهتديت لهديه

 

أهدى من الجم اهتداء في الفي

ولسيبه إما ترجي سيبه

 

أندى من السبل الركام الأسول

ولنصره إن تدعه لمضوفة

 

أجدى من اللجب اللهام الجحفل

ولعزه إما احتميت بطوده

 

أحمى وأمنع من شمارخ يذبل[27]

يبدأ البيت الأول بفاء يحل محلها الواو في الأبيات الثلاثة، يليها في الأربعة لام جواب القسم، يليها مضاف إلى الهاء الغائب مفضل، ثم الشرط إن، في أربع منها، متبوع بما الزائدة في ثلاث من الأربع، ثم الفعل المسند للمخاطب، ثم مجرور بالباء مضاف إلى هاء الغائب في بيتين، مضاف إليها منصوب في واحد، مجرورـ ولكن باللام ـ غير مضاف في الآخر، ويلي ذلك أفعل التفضيل مرتين فالأخير، فمن، فالمفضل عليه، بعد تمييزه في الأول ونعتاه في الثاني والثالث، والمضاف إليه في الأخير،

هذا التشاكل التركيبي الكلي تقريبا في الأبيات الأربعة يدعمه العديد من التكرارات اللفظية والجناسات: (هديه ـ اهتديت ت هديه ـ أهدى ـ اهتداء)، و (لسيبه ـ سيبه ـ سبل ـ أسول)، و (احتميت ـ أحمى).

ومثله الترصيع الورد في:

العلم علمهم، والعقل عقلهم

 

والحلم حلمهم، والدين ما دانوا

والنكر ما أنكروا والعرف ما عرفوا

 

والزين ما زينوا والشين ما شانوا[28]

فالبيتان مكونان من ثماني جمل اسمية مكونة كل منها من مسند إليه ومسنة، المسند مضاف إلى ضمير الغائبين، في الثلاث الأول منها بينما هو في الخمس الأخرى موصول صلته جملة فعلية، فعلها ماض مسند إلى ضمير الغائبين، أضف إلى ذلك العديد من التكرارات والجناسات الصوتية، والتطابقات المعنوية.

وقد يكون تكرار تركيب كما في:

آل يعقوب شمروا للمعالي

 

واستعدوا لما تجيء الليالي

وأعدوا لكل خطب ملم

 

عده من عزازة  ونوال

وتواصوا الحق والصبر وابغوا

 

في العفاف الغنى على كل حال

وآمروا بالمعروف وانهوا على المنــــ

 

ـــكر واسموا للمكرمات العوالي

والهوينا دعوا وللمجد فاسعوا

 

وصعاب العلا بصعب الفعال

والزموا الحلم والأناة وخلوا

 

نزغات الشيطان شر الخلال[29]

ففي الأبيات الستة وردت عبارة(افعلوا) وما في معناها: الأمر المسند لواو الجماعة، اثنتي عشرة مرة، يعزز ذلك مجموعة من الظواهر الصوتية والقابلات المعنوية.

ومثل تعاقب تركيبي النهي والأمر على نحو ما في المقطع التالي:

فلا تبخلن ولا تعتبن

 

ولا تغدرن أف للغادر

ولا تحقدن ولا تحسدن

 

فما الحقد من شيم الفاخر

وخالق بلطف جميع الورى

 

ومنهم أقل عثرة العاثر

وصل قاطعا واعف عن ظالم

 

وواس بني العم في النائر

ولا تطعمن سوى مطعم

 

كمطعم عنترة الفاخر

ولا تطمعن ولا تكذبن

 

فما حلف ذينك بالخائر

ولا تأثرن حديث امرئ

 

فشر الحديث على الآثر[30]

والظواهر السمعية الأخرى ـ غير التركيبية ـ في المقطع متعددة.

ويذهب الأمر أحيانا إلى حد التصنع كما في هده الأبيات التي يلتزم فيها أن تكون نهاية البيت في بداية الذي يليه:

ألا لم ويك نفسك أو فدعها

 

فنفسك دبرت فيما دهاها

دهاها أن أتيح لها شقاء

 

تخونها شقاء ما شقاها

شقاها قادها للحين حقا

 

يقينا من عويشة لا سواها

سواها قد تخلت عنه نفسي

 

ولكن ما تخلت عن هوها

هواها قد غذيت به صغيرا

 

وهل للنفس صبر عن هواها[31]

 

غير أن هذا النمط من التصنع نادر عند الشاعر، أو قل لا يوجد في هذا المثال.

2-2-5-القيمة الفنية:

يحتل الإيقاع السمعي المتأتي من موسيقى الحشو: تكرار أصوات وكلمات وتراكيب منزلة عالية، قد تصل إلى 088%من الظواهر الإيقاعية في نصوص ديوان الشاعر، وهو أمر طبيعي في الشعر العربي التقليدي الذي يعتبر الوظيفة الشعرية الجمالية الأولى هي التطريب، وواضح من اعتماد أغلب النصوص عليه أنه يحتل المنزلة الأولى في جماليات الإبداع عند الشاعر،على غرار ما سارت عليه القصيدة البدوية العربية قبل عصر أبي تمام (ت231هـ)، ويبدو أن التكرار عنده وظائف متعدد فهو أحيانا للتهويل والبيان، وأحيانا لإظهار مركز التجربة الشعورية، خاصة في المراثي كما في تكرار فعلي نعى وندب في مرثية الشاعر لمولود بن أحمد الجواد[32]، ولكن الوظيفة الغناية تظل المهيمنة على كل وظيفة أخرى.

2-3- في الحركة:

2-3-1- أبرز ظواهر الإيقاع المتأني من حركة الأفكار: تقابلا وتضادا وتواترا، هي ظاهرة التقابل: طباقا ومقابلة، ولا تتعدى نستها في الإيقاع عبر المدونة 12%، حسب إحصائنا، وهي غالبا تكون محتجبة في غطاء سميك من الظواهر الإيقاعية السمعية، جناسا وتكرارا وترصيعا وغير ذلك وسنستقرئ بعض تجلياتها عند ابن الطلبة من خلال الأمثلة التالية:

ففي البيتين التاليين:

لا تبعدن فكم رتق فتقت وكم

 

فتق رتقت قد أعيى كل فتاح

وخفف الوجد عنى في مصيبته

 

أن قد مضى غير ملحي ولا لاح[33]

نجد أن ظاهرتي الطباق (رتق \فتق، ملحي\لاحي)، وقلب الوضع (فتق الرتق\ رتق الفتق)، تكرار: كم\كم).وف الأبيات:

لئن سرني أنا التقينا بفسحة

 

بها ذهب الواشي وعنا الرقيب شذ

فقد ساءني هجرانها وجفاؤها

 

وقد شفني الوجد المبرح حينئذ

فإن تصرميني ليس في الصرم موئل

 

وإن تصليني حبذا الوصل من عوذ

كلا ذين عند الله والأمر أمره

 

فلله ما أعطى ولله ما أخذ[34]

نجد أن المقابلة:(سرني أنا التقينا/ساءني هجرانها)، قائمة هي أيضا على الجناس (ساءني/سرني)، وكذك الأمر في: (تصرميني/تصليني)، وإن خلا من التقارب الصوتي لحد ما في (الصرم/الوصل، أعطى/أخذ) إضافة إلى ثنائيات لا تصنف في المطابقة، ولكنها تدخل في الحركة: (ذهب الواشي/ الرقيب شذ، ساءني/ شفني، هجرانها/ جفاؤها)، لئن/ فإن/ وإن، أنا/ عنا، فقد)، ثم (فلله ما أ../ والله ما أ...) والشيء نفسه في:

بكار إنك رواح وبكار

 

للمكرمات ونفاع وضرار[35]

 

فالطباقان: (بكار/ رواح، نفاع/ ضرار)، واكتبهما الظاهرة الصوتية المتأتية من تواتر صيغة فعال أربعة مرات، اثنتان منها في صورة جناس تام، وإن ظلت الغلبة للحركة الحسية على حساب الظواهر السمعية، وهو ما نجد أيضا في المثال التالي:

مازلت أهو وأري العين يويسني

 

منها ويطعمني نصي وترفيعي

حتى أضاءت مها صفرا ترائبها

 

بيضا محاجرها حمر الأصبيع[36]

فالطباق في: (يؤيس/ يطمع، صفر/بيض/حمر)، أقوى تأثيرا من تكرار ياء المتكلم أربع مرات في البيت الأول، والترصيع في البيت الثاني: (صفرا ترائبها، بيضا محاجرها، حمر الأصبيع)،

وقد نجد مقاطع طويلة تركز على الحركة خاصة في المقاطع الحكمية التي ترد في بعض المطولات نكتفي منها بمثال واحد من الميمية التي يعارض بها ميمية حميد بن ثور الهلالي:

وما مات من أبقى ثناء مخلدا

 

وما عاش من قد عاش عيشا مذمما

وما المجد إلا الصبر في كل موطن

 

وأن تجشم الهول العظيم تكرما

وما اللؤم إلا أن يرى المرء غابطا

 

لئيما لمال في يديه إن اعدما

فذاك الذي كالموت في الناس عيشة

 

ومن عد مالا ماله كان ألأما

وما الدهر إلى بين لين وشدة

 

فمن سر مسيا فيه أصبح مرغما

وما الحزم إلا مرة النفس تقتني

 

لشدته من قبل أن تتحكما

وما العجز إلا أن تلين لمسه

 

فتضجر من قبل الرخاء وتسأما

وليس الغنى إلا اعتزاز قناعة

 

تجل أخاها أن يذل ويشتما

وما الفقر إلا إن يرى المرء ضارعا

 

لنكبة دهر قد ألم فيقحما....[37]

نقرأ ثنائية الخير والشر في المقابلات: الذي يموت جسمه ويخلد ذكره، والذي يعيش جسمه ويموت ذكره، ثم المجد والقناعة من جهة، واللؤم والطمع من جهة أخرى، ثم السرور مساء، والمذلة صباحا، والحزم والقوة في مواجهة نوائب الدهر في مقابل العجز واللين والملل قبل تحول الدهر، ثم الغنى بالقناعة وعزة النفس في مقابل الفقر بالخضوع لنكبات الدهر والضراعة والمذلة، وفي الطباق اللين/الشدة ..... فالتكرار على الحكمة وعرض القوانين القطعة أبعد النص عن الغنائية السمعية، وقربه إلى الحكمة الحسية المتعلقة بالأفكار، ولكن الطابع الحكمي أضعف الحركة، وجعله رتيبة، لا صراع فيها ولا تناقض يضفي عليها شيئا من الحيوية، وتلك مشكلة الحكمة في القصيدة، فالقصيدة فعل تصورات التخييل الانفعالي، والحكمة نقل لاستنباطات التجارب العقلية.

 

2-3-2- قيمتها الفنية

هذه الحركة النفسية الداخلية مقتصرة عند الشاعر على: وضعية المتقابلين في صيغة مرآتين متجاورتين في سياق واحد ونظام واحد يحتفظ فيه كل منهما بمنزلته ضد الآخر، فلم ينزعا في تحركهما إلى الالتقاء، والجمع بينهما في سياق واحد يكون لغاية إبراز التقابل في علاقاتهما، وهي وظيفة الطباق والمقابلة الاعتيادية. أما القضايا المتعلقة بلعبة الإظهار والإخفاء فليس لها حضور بارز في نص ابن الطلبة، فيما يبدو، وكذلك الشأن فيما يتعلق بفضاء النص الذي يقتصر على محلات البياض الملازمة للبيت قديما وحديثا: الوقفتان العروضيتان اللتان تحدثنا عنهما عند الشاعر في موضوع العروض، ومنه يبدو لنا أن الإيقاع الحسي: الحركي، عند الشاعر ثانوي، لهيمنة الغنائية على شعرية نصه

 ثالثا/ مقاربة تقييمية:

تتميز غالبية نصوص بن الطلبة بموسيقى فخمة رزينة وثيقة الصلة بموسيقى مسرب من مسارب القصيدة البدوية امتد من قرن قبل الهجرة إلى قرن ونصف بعدها، عبر شعراء كبار معروفين، لعل منهم قبل الإسلام: النابغة الذبياني {ت 604م} وذو الرمة غيلان مية {116}، ورؤبة بن العجاج {ت 165هـ}.

مرتكز هذا المسرب هو اللغة البدوية، واصطياد شواردها، والغوص على مكنوناتها، والولع بتشكيلاتها وتوقيعاتها الموسيقية الصوتية المجلجلة، خاصة من> أن أصبح للغة سدنة متخصصون يتصيدونها ويحيطونها بترسانة من القوانين المعجمية والتاريخية والجغرافية البشرية والطبيعية، تضفي عليها مسحة من القداسة، تجعل "تعلمها أفضل شرعا من التخلي لعبادة الجليل"[38]  ابن الطلبه إذا أحد الغواصين في بحر اللغة البدوية ، لغة عصر الاحتجاج، خبير بتخومها، فتنه جمال لفظها، فكرس حياته لمراودتها، واحتساء سلافتها، من نصوص الشعراء الأقدمين الذين استقوها من منابت الشيح والقيصوم التي تتجسد له في بيئته التي درج فيها وشب واكتهل، هم قرأها وعاشها في محفوظاته التي نمت مع نمو إدراكه، فأصبح يقرؤها على الطبيعة المحيطة به، ويقرأ الطبيعة ذاتها فيها، يقرأ عصر نصه المرجع في عصره، ويقرأ المجتمع المنتج لتلك النصوص في مجتمعه الذي يعيش فيه، فنمط الحياة المعيشة واحد لديهما و" اختلاف الأجيال إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش"[39]، وهذه النحلة هي هي فكأن الزمان توقف فيها ألف سنة أليس هو ـ كما وصفه معاصر له ـ . عربي أخره الله"؟ ، وعلى هذا القياس، فمجتمعه "عرب أخرهم الله، بالمفهوم الزمني، لا القيمي  أليست البيئة الطبيعية هي بيئة تلك النصوص" نقلها الله" من غرب آسيا إلى غرب إفريقيا؟

وعربي هنا لا تعني جاهليا، كما شاع عند بعض الكتاب، بل تعني عربيا، بالمفهوم الخلدوني: العرب ومن في معناهم"، أي البدو، الذين يعيشون في الصحراء يتبعون بإبلهم مساقط المزن، ولا يخضعون لسلطان، وهذا جانب من حياة ابن الطلبة، لكن الصورة تظل ناقصة، إذا لم يتم إبراز بعدها الثاني، الحافز الأساسي على العناية الشديدة باللغة البدوية، وهو: مستهلك بدرجة عالية للغة البدوية وشواردها، جمالية الكشف الإبداعي فيه لا تتأتى من الكشف عن معنى نادر، وإنما من الكشف عن مفردة نادرة، إذ هو مكون  أولا وأخيرا من شيوخ المدرسة اللغوية وتلامذتهم، وشعرية الشعر عندهم هي في المقام الأول لـ "ديباجة" القصيدة المتأتية من الموسيقى التي تقرع الآذان بقوة عند الإنشاد، والإنشاد وسيلة التلقي الأساسية، فالشعر ما أطرب وهز النفوس"[40] لأن الثقافة شفهية بالدرجة الأولى فـ" من فاته حفظ النص يبقى يتلمس"، كما يقول المثل الشعبي، ووظيفة الشعر الأولى عندهم معيارية، لا جمالية، وهي أنه يضم مفردات اللغة، فيحفظها من التناثر والضياع، ويسهل حفظ مفرداتها، ما دام القاموس المحيط ليس متوفرا لكل فرد، وقصة ابن الطلبة والقاموس المحيط متداولة، وهي أنه لا ينزل عند أهل بيت ليس به مصنف الفيروزابادي، هذه البيئة الاجتماعية هي نفسها، بيئة الفقيه محمد مولود بن أحمد فال {تـ.1323هـ/1907}، الذي كان يعتمد في منظوماته الفقهية إقحام غريب اللغة الميت، لإعادة الحياة إليه، كما يقول، على نحو ما يروي تلامذته عنه، إن الجمالية الإبداع الأولى عند هذا الجيل تتجلى في الإيقاع السمعي الخارجي الذي يطرب قبل فهم الفكرة واستجلاء ألوان الصورة، أما عمق الفكرة وديناميتها وتداخل ألوان الصورة وضبابيتها، فهي عيب كلها، لأنها تجعل " البيت يحتاج إلى تفسير"، وذلك عيب من عيوب الشعر...

ساهمت إذا عدة عوامل في أن يشق ابن الطلبه طريقا خاصا به، وأسلوبا مميزا له، أهمها:

1ـ عملية التلقي وأفق الانتظار في الوسط الخاص به،

2ـ البيئة الاجتماعية والطبيعية،

3ـ ثقافته ومراجعه الثقافي،

4ـ موهبة الشاعر الشخصية،

وهو أسلوب يرجع في جانب منه، إلى وسط شعري ازدهر في بداية عصر التدوين، وظل له حضوره في وسط علماء اللغة لفترة طويلة، ويبدو أن ابن الطلبة كان يصر على أن يكون مرجعه في صدر الإسلام أو قبله، لا في الفترات اللاحقة،[41] لأنه الفترة التي تنشد إليها نفوس المجتمع المسلم في وسطه، روحيا، ولأنه في المرجعية الذهنية للغويين عصر الاحتجاج الذي هو الحجة في الفصاحة، وما بعده مرتاب فيه على الأقل.

على أنه من حيث موقعة هذا المسرب في السياق العام لتاريخ الأدب، من الإنصاف أن نعترف أنه لم يكن مسارا مهيمنا على القصيدة العربية في فترة من فتراتها، ولم يكن أثيرا إلا عند علماء اللغة، والخصومة بين الشاعريين واللغويين لم تهدأ قط فالشاعر دوما يسعى إلى التحرر من شرنقة سلفه، وإلى أن "يبتدع" لنفسه طريقته الخاصة، وأن يقيس لنفسه، واللغوي يريد الوفاء للمعايير القارة، ويعتبر التشكيك فيها "بدعة"، وتجديفا تجب مقاومته، ورفضه، لأن الأدب شعرا ونثرا من ملحقات علم الآلة، الغاية منه حفظ الأساليب كما نطق بها الأعرابي البدوي الفطري الذي لا يعرف من أبعاد الحياة غير بعد واحد هو الرعي وتتبع مساقط المطر، أما تجوز هذه الوظيفية، فهو "ابتداع"، والابتداع ضلالة، لأن "المسألة إذا لم يترتب عليها مقصدها لم تشرع". نص ابن الطلبه إذن، من عيون الشعر الموريتاني في القرن الثالث عشر بلا جدال، لأنه عودة نموذج سلفي مغاير للنموذج الذي ساد يومئذ، في بلاده، على لسان ابن رازكه {1144هـ} وتلامذته، وهو امتداد طبيعي للأساليب المنتشرة التي قادها بعده الباروي {ت1322هـ}، ومن جاء بعده، فرجعه ابن الطلبه، أو نهضته، كانت نتيجة لعوامل محلية، في المقام الأول، لم تتأثر مباشرة، بعوامل خارجية، وقد اختارت، نموذجها المناسب، من أساطين القصيدة البدوية، ومن صيادي سوارد اللغة، أما رجعة البارودي وأضرابه، أو نهضتهم، فكانت بسبب عوامل خارجية في المقام الأول، وقد اختاروا نموذجهم من الحديثة العباسية التي اعتبرها الشاعريون قمة ما وصلت إليه القصيدة العربية في القديم، واعتبرها اللغويون "إفسادا" للشعر من أصله لأنها خروج به عن غايته المعنارية الأساسية،

يعكس ابن الطلبة نضجا مبكرا في القصيدة "الشنقيطية"التي لا ترجع بداياتها إلى أكثر من قرن ونصف قبله، وهو نضج ينعكس في قصيدته ذاتها، وفي معارضاته لـ "معلميه"، وثقته في أنه قادر على التفوق عليهم، كما يروي عنه سيد أحمد بن الأمين[42] كما ينعكس في رفضه للاستقاء إلا من المنابع التي هي ثقة عند اللغويين قبل الشاعريين.

بقي أن نقول إن هذه الخصوصية التي دافعنا عنها لقصيدة ابن الطلبه لا تنطبق إلا على قصائده التي شاع بها ذكره، خاصة الميمية واللامية والجيمية... مثلا، أما المقطوعات الإخوانية، فلا تتميز كثيرا عن شعر غيره من معاصريه.

وهذه الثنائية أيضا، ليست حكرا عليه، فالغالب أن لكل شاعر نصوص التي تطبع شاعريته بطابعها، وله نصوص غيره لا تتميز بشيء عن نصوص معاصريه، ولا تميزه بشيء عن الشعراء المعاصرين له.

رابعا/ استنتاجات:

ست ملا حظات مما هو متضمن في هذا العرض، نبرزها في خاتمه:

 1ـ الإيقاع السمعي ـ على نحو ما وصفناه في استعراض الأمثلة ـ يقع في مقدمة جماليات قصيدة ابن الطلبة، قبل التشبيه الذي هو مرتكز جماليات الصورة فيها.

2ـ انبهار معاصري ابن الطلبه من أهل بلده، بشاعريته يثبت أن الجماليات هي عنوان الشاعرية والشعرية عندهم.

3ـ ابن الطلبه قمة عليا، في نضج القصيدة العربية الشنقيطية، ما قبلها منها، تمهيد لها، وما بعدها، لم يتجاوزها، حتى قيام القصيدة الموريتانية الحديثة.

4ـ نصوص، ابن الطلبة الأساسية تعكس لونا في القصيدة لعله أبرز الألوان التي أعطتها شخصيتها، وجعلتها تطمح إلى موقع لها في تاريخ القصيدة العربية.

5ـ هذه القصيدة نحتت للثقافة العربية مسكنا له في هذه النقطة النائية من المغرب الأقصى سيبقى حيا إلى فترة طويلة.

6ـ لا تنتمي هذه القصيدة البتة، إلى "عصر الانحطاط"، وليست عودة للأصول تمهيدا للتحديث، وبالأحرى، ليست لها علاقة بالعصر الحديث، بل هي تجذر في جذور.

 

المراجع:

ابن الطلبه {محمد بن محمد الأمين} ديوانه، تحقيق محمد عبد الله بن الشبيه، مراجعة: محمد سالم بن عدود، تقديم محمد بباه بن محمد ناصر، الناشر: أحمد سالك بن محمد الأمين بن ابوه ـ دار النجاح الجديدة، الدار البيضاء،2000.

ابن خلدون {عبد الرحمن}، المقدمة، دار العلم للجميع، بيروت، {د.ت}

ابن رشيق {الحسن}، العمدة في محاسن الشعر وأدبه ونقده، ط/دار الكتب بيروت 1983

ابن سينا {الشيخ الرئيس}، كتاب الشفاء، القاهرة، 1986،

ابن منظور {محمد بن مكرم}، لسان العرب، دار صادر، بيروت،1981

الطرابلسي {محمد الهادي}، "في مفهوم الإيقاع" حوليات الجامعة التونسية، ع. 32/1991

الطرابلسي {محمد الهادي}،، خصائص الأسلوب في الشوقيات، منشورات الجامعة التونسية، 1981

عبد الحي ة {محمد} الجمع بين التنظير النقدي والممارسة الإبداعية عند الشعراء المعاصرين العرب،

أطروحة لنيل شهادة دكتوراه الدولة في الآداب في منوبه، جامع تونس الأولى، 199

كانتينو {جان} دروس في علم الأصوات العربية، ترجمة صالح القرمادي، تونس،  1974

كوهن {جان} بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال، الدار البيضاء1986

 


 

[1] ابن منظور: محمد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر، بيروت، 1981، مادة وقع

[2] بن سيناء الشيخ الرئيس، كتاب الشفاء، القاهرة، 1986، ص:21

[3]  جان كانتيون، جروس في علم الأصوات العربية، ترجمة صالح القرمادي، تونس، 197، ص194

[4]  محمد الهادي الطرابلسي، "في مفهوم الإيقاع"، حوليات الجامعية التونسية، ع. 32\1991، ص. 21.

[5] المرجع نفسه، ص.15

[6]  محمد الهادي الطرابلسي، خصائص الأسلوب في الشوقيات، منشورات الجامعة التونسية، 1981، ص.20.

[7]  المرجع نفسه والصفحة

[8]  جان كوهن، بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال، الدار البيضاء 1986ص:57 868 المرجع نفسه، ص .55.

[9]  المرجع نفسه، 55.

[10] جانب مهم من هذا الإيقاع يقوم على لعبة النص أي لعبة الإظهار والإخفاء الملازمة للشعر قديمة وحديثه. وتقوم على

-الإظهار المرتكز على صيرورة الكلمة: من دلالتها المعجمية المطابقة، إلى دلالتها السياقية الحافة: التي وإن كانت ثانوية في المبتدأ، فإنها بفعل الاستعمال قد تظهر على الأولى حتى تحجبها فتنفصل الكلمة عن دلالتها المعروفة لتدخل  في دلالة متموجة غير محدودة المعالم ويقابل الإظهار:

- المحور الذي هو الحد الأقصى للإظهار فبقدر ما تظهر الدلالة الحافة الثانوية أصلا للكلمة، تتراجع الدلالة الأصلية الأساسية لها حتى تمحى امحاء، فننسى المعنى الأول برمته.

- الحذف، ومنه مخبر به بواسطة نقاط الحذف الثلاث أو نقاط الاسترسال ، ومنه ما هو غير مخبر به  كما في الفعل أو المنفي، فقد يكون الحذف متلبسا بحيثي يعسر أن نركن إلى تأويل حاسم له، كما يكثر في الكتابة الجديدة

 

[11]  ـ راجع عملنا: الجمع بين التنظير النقدي والممارسة الإبداعية عند الشعراء المعاصرية العرب أطروحة لنيل شهادة دكتوراه الدولة في الآداب، كلية الآداب، كلية الآداب في منوبه جامعة تونس الأولى، 1996، (أطروحة غير منشورة) ص 34ـ 36

[12]  الطلبة جمع طالب، وهو في اللهجة المحلية معلم المدرسة، أي ابن أسرة المعلمين.

[13]  راجع الجدول 4 في مقدمة ديوان محمد بن الطلبه، تحقيق محمد عبد الله بن الشبيه، مراجعة: محمد سالم بن عدود، تقديم محمد بباه محمد ناصر، الناشر: أحمد سالك بن محمد الأمين بن أبوه ـ دار النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2000، ص 72.

[14]  راجع الجدول5 في مقدمة الديوان، المرجع السابق، ص.76.

[15]  هي عندما يبدأ في وصف الرحلة والانتقال من مكان إلى آخر فترد سلسلة الأماكن معطوف بعضها على بعض بحرف الفاء في أبيات عديدة تكون كلها جملة واحدة كما في المثال الموثق بالهامش رقم 26

[16]  مصطلح بلاغي لاتينيparagramme   وهو يعني تعاقب الحروف بانتظام في الكلمة الواحدة، وليس لدينا مصطلح بلاغي له ولا ترجمة دقيقة، فقد ترجم بعبارة "التضمين" وهي ترجمة تفتقد الشرط الآكد للترجمة، وهو الشفافية، خاصة وأن هذه الكلمة مصطلح بلاغي لظاهرة أخرى لا تمت إلى هذه بصلة

[17]  الديوان، مرجع مذكور (م .م.)،

[18]  المرحع نفسه (م .ن.)، ص. 165

[19]  م ، ن ، ص. 158

[20]  م، ن، ص.ص. 158و 173

[21]  م. ن.، ص.319

[22]  الحسن بن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وأدبه ونقده، ط\ دار الكتاب بيروت1983، ص. 239

[23]  الديوان، م. م.، ص. ص. 145  - 146 

[24]  م. ن.، ص. 155

[25]  م.ن.،ص.ص.143-145

[26]   م .ن.، ص.141

[27]  م. ن. ، ص. 400

[28]  ـ م. ن.، ص. 472

[29]ـ م.ن.، ص.360-361

[30]  ـ م.، ص. 232 وما بعدها.

[31]  ـ م. ن.، ص.ص.505 - 506

[32]  ـ م. ن.، ص.194

[33]  ـ م.ن.، ص.194

[34]  ـ م. ن.، ص. 215

[35]  ـ م. ن.، ص..226

[36] م. ن.، ص..268

[37]  ـ م. ن.، ص.ص. 443-444

[38]  محمذن فال بن متالي {ت1287 هـ 1865م }:

                         تعلم اللغة شرعا فضل            على التخلي لعبادة العلي

[39]  عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، دار العلم للجميع، بيروت، {د. ت} ، ص. 120

[40]  الحسن بن رشيق، م. م.، ص. 1983، ص 94.

[41]  يشهد لذلك أن ابن الطلبه عندما كتب همزيته في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، لم يجعل نصه الغائب همزية البوصيري الحاضرة لدى كل مادح للرسول من جيله، ولو كانت قصيدته في الروي والبحر ذاتهما، بل إن نصه الغائب الأساسي نجده عند عبيد الله بن قيس الرقيات {ت 85هــ}:     أفقرت بعد عبد شمس كداء                فكدي فالركن فالبطحاء

[42]  روى ابن الأمين {ت1339هـ} في كتابه: الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، ط4، القاهرة، 1987، ص. 95 عن ابن الطلبه أنه قال:"أرجو من الله أن أقعد أنا الشماخ بن ضرار في ناد من أهل الجنة وننشد بين أيديهم قصيدتنا لنعلم أيهما أحسن".

القائمة

من أدب ابن الطلبة الحساني المزيد

من غزل ابن الطلبة  المزيد

محمد بن الطلبة المولد والنشأة  المزيد

المعجم الشنقيطي العربي المزيد

شعر محمد بن الطلبة المزيد

محمد بن الطلبة المولد والنشأة  المزيد

التعاون المغاربي يتطلع مركز محمد بن الطلبة للدراسات والبحوث إلى التعاون الثقافي والمعرفي مع مؤسسات المغرب العربي بما في ذلك الموروث الثقافي البربري العربي 

المعجم الشنقيطي العربي المزيد

التعاون العربي  يتطلع مركز محمد بن الطلبة للدراسات والبحوث إلى التعاون الثقافي والمعرفي مع المؤسسات العربية المحلية والدولية   المزيد

التعاون الإفريقي  يتطلع مركز محمد بن الطلبة للدراسات والبحوث إلى التعاون الثقافي والمعرفي مع المؤسسات الإفريقية النشطة في المجال  المزيد

التعاون الدولي  يتطلع مركز محمد بن الطلبة للدراسات والبحوث إلى التعاون الثقافي والمعرفي مع الهيئات الدولية المزيد

التعاون المغاربي يتطلع مركز محمد بن الطلبة للدراسات والبحوث إلى التعاون الثقافي والمعرفي مع مؤسسات المغرب العربي بما في ذلك الموروث الثقافي البربري العربي 

مركز محمد بن الطلبة للدراسات والبحوث  مركز محمد بن المزيد

التعاون العربي  يتطلع مركز محمد بن الطلبة للدراسات والبحوث إلى التعاون الثقافي والمعرفي مع المؤسسات العربية المحلية والدولية   المزيد

مركز محمد بن الطلبة للدراسات والبحوث  مركز محمد بن الطلبة للدراسات والبحوث مركز محمد بن المزيد

التعاون الإفريقي  يتطلع مركز محمد بن الطلبة للدراسات والبحوث إلى التعاون الثقافي والمعرفي مع المؤسسات الإفريقية النشطة في المجال  المزيد

التعاون الدولي  يتطلع مركز محمد بن الطلبة للدراسات والبحوث إلى التعاون الثقافي والمعرفي مع الهيئات الدولية المزيد

 
top Back to top